المامقاني
182
غاية الآمال ( ط . ق )
إلى الاقتصار على موضع الإجماع وهذا مخط قول جماعة بتخصيص البيع شرعا بما كان مع الصّيغة المخصوصة الجامعة لجميع الشّرائط المختلف فيها ومن ظن ظهوره ولكن زعم الإجماع على اشتراط الصّيغة في تحقق البيع لزمه القول به ولكن يقتصر في الشرط بما هو محل الإجماع يعني ما ثبت الإجماع بزعمه على اشتراطه وهذا ضابط قول جمع ممّن يقول باشتراط الصّيغة في تحقق البيع ولكن يوسع فيها ومن لم يظهر ذلك الإجماع له ولم يعثر على دليل أخر أيضا على الاشتراط يوسع في تحقق البيع بما يتحقق به لغة أو عرفا والى هذا ينظر من اكتفى بمطلق اللَّفظ أو بالمعاطاة أيضا وهنا أمر أخر وهو انّه بعد تعيين معنى البيع أو ما يتحقق به البيع عرفا وانه ما سيأتي من أنه ما يدلّ على نقل المالك ملكه به إلى أخر بعوض معلوم بالطريق المعهود قد يقع الخلاف في الدّال فقد ( يقال ) باختصاص الدّال الصّريح بالصّيغة المخصوصة فلذا يقول باختصاص تحقق البيع بها والى هذا نظر طائفة من المشترطين للصّيغة وقد لا ( يقال ) بالاختصاص فيعمّ وإذ قد عرفت ذلك تعلم أن وظيفتنا أوّلا الفحص عن انّه هل للبيع معنى لغويّ أو عرفيّ نعلمه وانّه ما هو فنقول ان من البديهيّات الَّتي لا شك فيها ان لفظي البيع والشّراء ممّا يستعمله عامّة النّاس من أهل الأسواق والبوادي والخارجين عن شريعتنا بل عن مطلق الشّريعة استعمالا خارجا عن حدّ الإحصاء وليسوا شاكين في معناه ولا متردّدين ولا محتاجين في فهمه إلى القرينة فهذا يقول بعث واشتريت وذاك أبيع وأشرى وثالث هل يبيع وهل يشترى إلى غير ذلك ويفهم المخاطب مراده من غير قرينة أصلا ولو لم يعلم القدر المجمع عليه شرعا ولم يفهم إجماعا أو شرعا ولم يقرع سمعه صيغة فيقطع بذلك ان ما يتحقق به البيع أمر مضبوط معلوم عند أهل العرف مع قطع النّظر عن الشّرع وهو يدلّ عرفا على نقل المالك ملكه به إلى أخر بعوض لصدق المبايعة إذ عند حصول ذلك يستعمل لفظ البيع عندهم ويتبادر عنه حصوله ولا يجوزون سلب الاسم معه سواء كان ذلك بقبض كلّ من العوضين وهو المسمّى بالمعاطاة أو بقبض أحدهما مع ضمان الأخر أو بألفاظ دالة على ذلك وعلى هذا فلا يشترط في تحقق البيع عرفا صيغة مخصوصة من حيث انّها هي وان وجب كون الفعل أو اللَّفظ دالا على النّقل المذكور عرفا وهذا هو الَّذي يظهر من كلمات الأكثر واليه نظر قول المحقق الشّيخ على ( رحمه الله ) في شرح ( القواعد ) تارة ان المعاطاة بيع بالاتفاق وأخرى انه المعروف من الأصحاب وامّا ما يظهر من بعضهم من الخلاف في تسمية المعاطاة بيعا وهو بين شاك فيها وناف بل عن الغنية الإجماع على العدم وفي ( الروضة ) اتفاقهم على أنها ليست بيعا ( فالظاهر ) ان المراد البيع الشّرعي أي ما يوجب الانتقال شرعا حيث يزعم اشتراط صيغة خاصّة وانعقاد الإجماع عليه فلا تخالف بين دعوى الإجماعين ولو أراد أو نفى البيع العرفي ففاده واضح لوجوه منها الاستعمال فإنّه ( يقال ) ابتعت الخبر واللحم وبعته ولو لم يتحقق أمر سوى المعاطاة والأصل فيه الحقيقة وأعميّة انّما هو مع تعدّد المستعمل فيه وهو هنا غير ثابت واستعماله فيما كان مع الصّيغة بدون التقابض لا يثبته لجواز كون المستعمل فيه هو القدر المشترك وهو النّقل المذكور بل هو ( كذلك ) وكذا لو فرض استقرار عرف على المبايعة بعمل أو لفظ أخر يصحّ استعمال البيع والشّراء بعد تحققه ومنها عدم صحّة السّلب فإنه إذا اتّخذ أحد حرقة بيع الكرابيس أو الرقيق أو غيرهما وكان بيعها مدّة بالمعاطاة ( يقال ) انه بيّاع الكرباس مثلا ولو لم يتلفظ بصيغة أبدا ولا يجوز ان ( يقال ) ليس ( كذلك ) كما نشاهد في أهل السّوق وأرباب الحرف ولو أمر أحد ببيع كرباس فباعه بالمعاطاة أو بلفظ غير الصّيغ المخصوصة لا يجوز له ان يقول ما بعثه ولو عاتية لعدم الامتثال لذم وهذا ظاهر جدا ومنها التّبادر فإنه يحاور ذكر البيع والشرى فوق حدّ الإحصاء عند أهل القرى والبوادي ويفهمون معناه ويتبادر عندهم مع أنهم لا يعرفون صيغة بل لم يسمعوها في الأكثر ويدل عليه أيضا قول القائل بعت متاعي ولكن ما أجريت الصّيغة وصحّة الاستفسار بعد قوله ذلك انّك هل أجريت صيغة ويجري أكثر تلك الوجوه أو جميعها في قبض أحد العوضين مع ضمان الأخر وفي التّلفظ بالألفاظ المفهمة لنقل المالك ملكه بها بالقصد المذكور فيتحقق البيع بجميع ذلك عرفا ثمّ انّه بما ذكرنا كما يثبت ان البيع يتحقق عرفا بحصول ما يدلّ على النقل المتقدّم ( مطلقا ) سواء كان لفظا أو غير لفظ ( كذلك ) يثبت عدم انحصار الدال على ذلك النقل في اللَّفظ المخصوص بل ولا في مطلق اللَّفظ وجميع ما ذكرنا يدلّ عليه وبعد ثبوت تحقق البيع بما ذكر عرفا يثبت لغة وشرعا أيضا بضميمة الأصل وإذا قد ثبت كونه بيعا شرعا يكون جائز أو يباح به التصرّف لكلّ من الطَّرفين فيما نقل إليه ولو لم يتلفّظ بالصّيغة بعمومات الكتاب والسّنة الدّالة على حليّة البيع وجوازه مضافا إلى الإجماع القطعي المستفاد من عمل الناس في الأعصار والأمصار حتّى في زمان النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من غير نكير ومن فتاوى العلماء بالنّسبة إلى المعاطاة وقول العلامة ( قدس سره ) في النهاية يكون المعاطاة بيعا فاسدا فيلزمه عدم جواز التصرّف شاذ مع انّه أيضا قد رجع عنه ويلزم من جوازه شرعا وإمضاء ( الشارع ) إيّاه زوال ملكية المبيع من البائع وحصولها للمشتري شرعا إذ لا معنى لتحليل ( الشارع ) وإمضائه نقل الملك الَّذي هو معنى البيع بل قوله في موارد متكثرة بع وبيعوا وأمثالهما إلا بمعنى النّقل شرعا هذا كلامه ( رحمه الله ) وبما ذكرنا كلَّه ظهر سقوط ما استدلّ به القائل بعدم الملك مع إباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك من الوجوه الَّتي تقدّم ذكرها عند حكاية ذلك القول ما استقرار السّيرة المستمرة على التصرّف في المأخوذ بالمعاطاة فلانّ ذلك أعمّ من مقصوده فيلائم إفادتها الملك أيضا بل هو بها انسب كما هو واضح وامّا الإجماع المدّعى في الغنية و ( الروضة ) ولك فلكونه بالنّسبة إلينا منقولا لا يفيد الوثوق بعد ما عرفت من الدّليل على كون المعاطاة بيعا مضافا إلى ما سيأتي في كلام ( المصنف ) ( قدس سره ) عن كره من أن الأشهر عندنا انّه لا بدّ من الصّيغة وإنه يدلّ على وجود الخلاف المعتدّ به في المسئلة ولو كان المخالف شاذ العبّر ( بالمشهور ) وامّا الرواية الدّالة على حصر المحلل والمحرم في الكلام فهي بظاهرها الذي تخيّله المستدلّ لا يساعد مذهبه لأنّه ينتفي الحلّ عند انتفاء الكلام ومقصوده إثبات إباحة التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك وحمله على نفى اللَّزوم انّما هو لأجل الجمع بينها وبين ما دلّ على حصول الإباحة بالتّراضي كما اعترف به وذلك موقوف على